LightBlog

د. زين العابدين خفاجة يكتب قصة عذراء اليمام/العربية نيوز

 عذراء اليمام… 


حين يصبح العمر قربانا على مذبح العائلة



في بيت صغير يشبه كوخًا متواضعًا على أطراف القرية كانت أعشاش اليمام تملأ السقف الخشبي وكأن الطيور اختارت أن تشاركها وحدتها هناك عاشت عذراء اليمام فتاة يتيمة لم يكن لها من الدنيا إلا إخوة صغار وسماء واسعة من المسؤوليات


رحل الأب مبكرًا وتبعته الأم بعد سنوات قليلة تاركين على كتفيها حملًا أثقل من عمرها لم تبك طويلًا ولم تسمح لليتم أن يكسرها أمسكت بيد إخوتها وأقسمت أن تكون لهم الأب والأم والسند كانت تستيقظ قبل الفجر تعمل في الحقول تارة وفي البيوت تارة أخرى تخيط وتنظف وتحمل ما لا تطيقه الأجساد الغضة كانت تعود آخر النهار منهكة لكنها لا تسمح لتعبها أن يظهر أمامهم تبتسم وتقول غدًا أجمل


كبر الإخوة وكبرت معها المسؤوليات تحولت الفتاة الصغيرة إلى امرأة تعرف جيدًا معنى التضحية لم تفكر يومًا في نفسها ولم تحلم بفستان أبيض أو بيت مستقل كانت ترى أحلامها في عيون إخوتها زوجت شقيقاتها واحدة تلو الأخرى جهزتهن بعرقها ووقفت خلف كل فرحة وكأنها أم تودع بناتها


ومع مرور السنوات كانت المرايا تهمس لها بحقيقة لا تريد سماعها خصلات الشيب بدأت تزحف إلى شعرها وجسدها الذي أنهكه العمل صار أنحف وأضعف لكن قلبها بقي قويا مطمئنا لأنه أدى الأمانة


حين استقر إخوتها في بيوتهم وحين صار لكل واحد منهم سقف يأويه التفتت أخيرًا إلى نفسها فوجدت العمر قد مضى لم يتقدم أحد لخطبتها لم تعد الفتاة الشابة التي تنتظر بل امرأة تجاوزت قطار الأحلام الأولى


ثم وكأن القدر أراد أن يمنحها قبسا من رجاء تقدم رجل مسن يطلب يدها لم يكن فارس الأحلام لكنه كان رفيقا محتملًا لسنوات الوحدة وافقت لا طمعا في شيء بل بحثا عن سكينة متأخرة


لكن حتى هذا الحلم الخافت لم يكتمل قبل أن يتم الزواج لقي الرجل ربه عاد البيت الصغير كما كان وعادت أعشاش اليمام شاهدة على صمتها


في إحدى الليالي جلست وحدها تتأمل حياتها تحسست شعرها الأبيض ونظرت إلى يديها اللتين حفرت فيهما السنين أخاديد التعب لم تندم ولم تلعن الحظ فقط ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت ما عند الله خير وأبقى


قصة عذراء اليمام ليست حكاية حزن بل حكاية عظمة خفية إنها صورة لآلاف النساء اللواتي يقدمن أعمارهن قربانًا لأسرهن او أولادهن او أزواجهن دون انتظار مقابل قد لا تكتب أسماؤهن في دفاتر التاريخ لكنهن محفورات في قلوب من أنقذنهم من الضياع


هي لم تتزوج لكنها زفت إخوتها للحياة لم تبن بيتًا لنفسها لكنها بنت بيوتا لغيرها وربما خسرت شيئا من الدنيا

 لكنها ربحت معنى لا يفنى


ليست هناك تعليقات